السرخسي
218
أصول السرخسي
الآية ، فما يكون مذموما منهيا عنه نصا فكيف يصلح حجة على الغير ! وأيد ما ذكرنا قوله تعالى : ( وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا أو نصارى ، تلك أمانيهم ) الآية ، فقد علم رسوله مطالبة النافي بإقامة الدليل وذلك تنصيص على أن لا دليل لا يكون حجة والدليل عليه الخصومات ، فان انكار الخصم لا يكون حجة له على المدعى بوجه ما حتى أنه بعد ما أحضر مرة وجحد إذا طلب احضاره مرة أخرى أحضره القاضي ، وان طلب ان يكفله بنفسه أو بالعين الذي فيه الدعوى أجبره القاضي على ذلك ، وإذا طلب يمينه حلفه على ذلك ، فلو كان لا دليل حجة للنافي على خصمه لم يبق للمدعى عليه سبيل بعد انكاره وقوله لا حجة للمدعى . فاما جعل الشرع القول قول المنكر فذلك باعتبار دليل من حيث الظاهر ، وهو ان المدعى عين في يده واليد دليل الملك ظاهرا ، أو دين في ذمته وذمته بريئة ظاهرا ، ومع هذا قوله لا يكون حجة على خصمه وان حلف حتى لا يصير المدعى مقضيا عليه بشئ ، ولكنه لا يتعرض له ما لم يأت بحجة يثبت بها الحق عليه . يحقق ما قلنا إن الأصل هو التفاوت بين الناس في العلم بالأدلة الشرعية ، واليه أشار الله تعالى في قوله : ( وفوق كل ذي علم عليم ) وهذا شبه المحسوس لمن يرجع إلى أحوال الناس ، فقد يقف بعضهم على علم لا يقف عليه البعض ، ومع هذا التفاوت لا يتمكن النافي من الاحتجاج بلا دليل الا بعد وقوفه على كل علم يبتنى عليه احكام الشرع ، ومن ادعى هذه الدرجة لنفسه منا فهو متعنت لا يناظر ، وكيف يتمكن أحد من هذه الدعاوى مع قوله تعالى : ( وما أوتيتم من العلم الا قليلا ) وإذا علمنا يقينا ان المحتج بلا دليل لم يبلغ جميع أنواع العلم عرفنا ان استدلاله بما لم يبلغه على الخصم باطل ، ولهذا صح هذا النوع من الاحتجاج فيما نص الله تعالى عليه ، لان الله تعالى عالم بالأشياء كلها لا يعزب عنه مثقال ذرة ولا تخفى عليه خافية ، فبإخباره ان لا برهان لمن يدعى الشرك حصل لنا علم اليقين بأنه لا دليل على الشرك بوجه . وكذلك قوله تعالى ، ( قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما ) فقد صار معلوما يقينا انه لا دليل على حرمة ذلك ، فكان